{فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد ...} [النحل: 26] .
أي: أنهم إنْ جعلوا مكرهم كالبناية العالية ؛ فالحقُّ سبحانه يتركهم لإحساس الأمن المُزيف ، ويحفر لهم مِنْ تحتهم ، فيخِرّ عليهم السقف الذي من فوقهم . وهكذا يضرب الله المثَل المعنوي بأمرٍ مَحَسٍّ .
وقوله الحق:
{فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ...} [النحل: 26] .
يُوضِّح أنهم موجودون داخل هذا البيت ، وأن الفوقية هنا للسقف ، وهي فوقية شاءها الله ليأتيهم:
{العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] .
وهكذا يأتي عذاب الله بَغْتة ؛ ذلك أنهم قد بيَّتوا ، وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يَخْفَى عن الحَيِّ القيوم .
ولَيْتَ الأمرَ يقتصر على ذلك ؛ لا بل يُعذِّبهم الله في الآخرة أيضاً: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة ...} .
وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، ويَلْقوْن الخِزْي يوم القيامة . والخِزْي هو الهوان والمَذلَّة ، وهو أقوى من الضرب والإيذاء ؛ ولا يتجلَّد أمامه أحدٌ ؛ فالخِزْي قشعريرة تَغْشَى البدن ؛ فلا يُفلت منها مَنْ تصيبه .
وإنْ كان الإنسان قادراً على أنْ يكتمَ الإيلام ؛ فالخِزْي معنى نفسي ، والمعاني النفسية تنضح على البشرة ؛ ولا يقدر أحد أنْ يكتم أثرها ؛ لأنه يقتل خميرة الاستكبار التي عاش بها الذي بيَّت ومكر .
ويُوضِّح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند الله ثم كفرت بأنعم الله ؛ فيقول: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .