هذا إلى ما تقدم ذكره من الدلالة على أنه يخرج الموتى كما يخرج النبات،
وعلى أنه كما بدأ أول خلق يعيده، كما قال جل ذكره: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ(11)
و (كَذَلِكَ النُّشُورُ(9) . كما يحيي الأرض بالماء ينزله من السماء فيصرفه إلى
ما يصرفه إليه، ويخلق عنه أنواع النبات والحيوان، كذلك ينزله من السماء وقد مات
كل حي، فيخرج عنه الأحياء بعد موتهم يوم النشور؛ لهذا وأمثاله قال عز من قائل:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ
بِأَمْرِهِ ... (12) . ظاهره تعداد النعم بتسخير ذلك وبما فيه من هداية لأهل
الإبصار والبصائر، ومفهومه الإعلام بحسن الإبداع والإخبار عن كريم حكمته في
حسن التقدير، وعدله في الأمر والخلق، وإنها آيات على ظهور الحق المبين،
وتجلي المطلوب العلي في دار الحيوان دار القرار، وأن ذلك فيما هنالك على دوائر
محكمة التدوار دون أفول فيما هنالك ولا غروب، وإنه كما أن موجودات هذه الدار
عن أمره وفتح رحمته مع طلوع الشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره، فكذلك
موجودات ما هنالك عن تجلي الحق المبين، فاقدروا قدر هذه الدار من قدر تلك ما
بين أمر وأمر وخلق وخلق.
أتبع ذلك بقوله الحق: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي:
يعقلون تلك من هذه، كذلك عرض بكونها جارية على سنن معلوم وشرع قويم إلى
إرساله الرسل شرائع محكمة وآيات مفصلة ودين قويم، وهداية منه إلى صراط
مستقيم.
ثم قال: (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ...(13) . دل بذلك على اختلاف
موجودات الآخرة، وإثبات القدرة والمشيئة والعلم له(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ
يَذَّكَّرُونَ)أي: بهذه ما هنالك ذكر في أولها:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ)ذكره في الأولى الفكرة، وفي التي بعدها
العقل، وفي الثالثة الذكر؛ ذلك لأن الفكرة يبعثها الذكر فيثير مكنون العلم، وكلما