وموتى، إنما الجائر عن السبيل والله أعلم من أخذ يتعرف أسماء الموجودات
وخواصها ومواضعها وأشكالها وصورها وخلقها وطبائعها ومسالكها في مضارها
ومنافعها دون عبرة بخلق إلى خالق، ولا من صورة إلى مصورة ولا اهتداء بفطرة
إلى فاطر، ولم يوصل الفعل إلى فاعله؛ ولا نسب الموجودات إلى مقتضياتها من
الأسماء والصفات، ولا يعرف مخارجها من منبعثها، ولا وقف على ما اختص به
الفاعل الحق جل وتعالى [....] هذا وهذا عبرة بذلك إلى الدار الآخرة
وموجوداتها [....] الأمر كله مما تبرأ منه، فهو يتطلب خواصها وعللها
ومفعولاتها، وينسب آيات الأرض والسماء إلى معهود بادئ الرأي، وظاهر مواقع
الأبصار، فذلك هو الجائر عن السبيل الذي وقف بالدليل دون المدلول، وتشاغل
عن الفاعل الحق بالمفعول أبدعت به مطيته دون الوصول حتى اخترمته منيته ولم
يبلغ المطلوب.
وإنما قصد السبيل لمن تقصى تعرف الموجودات واعتبر بها إلى مآلها، وما
يكون آخرًا لها، ويعرف منبعثها بأولها، ويعرف وجود الحكمة في وجودها،
واستشهد بها على ما جعلت له، فتعرف بها فاعلها وما أراد به، ويقف بإيمانه على
توحده جل ذكره بصنعها، وأنه الواحد الأحد الملك الحق، ويؤمن برسوله ويستسلم
لربه، ثم يترضاه ويعمل له خالصًا دون دخل في عمل ولا دغل في دينه، فبذلك
القصد السبيل لا يتجشم إله قطع مسافة، ولا يتوهم دونه بعدًا سوى خلافه لأمره
وجهله به، بل هو أقرب إليه من نفسه.
فرُدَّ - وفقنا الله وإياك - كل فعل جاء ذكره في القرآن أو ظهر وجوده في
العالم إلى الله جل ذكره، فهو وليه خلقًا وأمرًا، وتعرف لأي حق أوجده من
موجودات الدنيا والآخرة، وما بين ذلك، وما يشاهد في عرصة القيامة، وما يجب
الإيمان به والشهادة له بالربوبية أو عما كان أو هو كائن حق ثابت، نسب ذلك كله
إلى أسمائه كل مقتضى إلى مقتضيه دون اعتقاد قطع مسافة ولا توهم بعد، فهذا هو
النظر الحق والاعتبار الأعلى، وهو المعبر عنه بالصراط المستقيم، وهو قصد السبيل
إلى ما أضيف إليه وعرف به، ولأي وجه ولأي معنى أوجد.