وتعريض بأن أهل النار لا غير لهم شيء، بل يسلط عليهم كل ما سخر لهم هنا
وما لم يسخر بأعظم النكال وأشد العذاب؛ لذلك أعقب هذا بقوله: (إِنَّ رَبَّكُمْ
لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) .
فكان لهذا الخطاب وجه إلى تعداد نعمه، ووجه إلى الإخبار عن عظيم غنى
موجودات الجنة، وجمال ما هنالك وحسنه، ووجه إلى الإعلام بحمل الأنعام
ضحاياها وهداياها، وما ذكر اسم الله عليه وابتغى به مرضات الله، وحط الأوزار عن
الموجهين لها إلى مرضات الله، وركوبهم إياها إلى بغيتهم، وجوازهم على الصراط
بها؛ لذلك وهو أعلم عرض بقوله:(لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ
لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)جعل فيما قدره فيما هَاهُنَا من قطع أبعاد الأسفار وحمل المشقة
بها عنا عبرة إلى ما هنالك.
أتبع ذلك بذكر ما لم تجرِ العادة على الأغلب بأكله، فقال: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ... (8) . وقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يقول:
من مخلوقات برية وبحرية وهوائية وأرضية لم ترها أبصاركم، ولا سمعت بها
آذانكم، ولا علمتها عقولكم من مثالات هي بواطن لهذه الظواهر، وأرواح لأرواح
وموجودات، وامتداد من الشَّيَاطِين والجن وأتباع ذلك فيما مضى وفي الحال
والمآل، ومن ملائكة تملك الملكوت، وآخرين يحفون بالعرش على أصناف ذلك
وصفاتهم في مصافاتهم، وآخرين تعجب الخليقة من جماد ونبات وحيوان وإنس،
وغير ذلك من قوى في جميع مواد الخلقة إلا من قوى تقترن به بذلك تدبرها
ملائكته أو عدوا لذلك إلى غير ذلك مما يعلمه هو ولا نعلمه إلى مقدورات لا
تتناهى، هذا في الدنيا، وقال في الجنة: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)
و"في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب"
بشر"."
أتبع ذلك قوله الحق: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ) ليس
على الغافل عن آيات الله سبحانه سبيل للوصول إليه، وكذلك المكذب بها كيف
يكون لهما سبيل تضاف إليهما ولم يسلكا سبيلاً، ولا أخذا إليه في طريق، بل عُميًا