فَأَمَّا جَمَالُ الْخِلْقَةِ فَهُوَ أَمْرٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ ، فَيُلْقِيهِ إلَى الْقَلْبِ مُتَلَائِمًا ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِوَجْهِ ذَلِكَ وَلَا بِسَبَبِهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ.
وَأَمَّا جَمَالُ الْأَخْلَاقِ فَبِكَوْنِهَا عَلَى الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْعَدْلِ وَالْعِفَّةِ ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا جَمَالُ الْأَفْعَالِ فَهُوَ وُجُودُهَا مُلَائِمَةً لِصَالِحِ الْخَلْقِ ، وَقَاضِيَةً بِجَلْبِ الْمَنَافِعِ إلَيْهِمْ ، وَصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهُمْ.
وَجَمَالُ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ مِنْ جَمَالِ الْخِلْقَةِ مَحْسُوبٌ ، وَهُوَ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ ، مُوَافِقٌ لِلْبَصَائِرِ ، وَمِنْ جَمَالِهَا كَثْرَتُهَا.
فَإِذَا وَرَدَتْ الْإِبِلُ عَلَى الذُّرَى سَامِيَةَ الذُّرَى هَجْمَاتٍ هِجَانًا تَوَافَرَ حُسْنُهَا ، وَعَظُمَ شَأْنُهَا ، وَتَعَلَّقَتْ الْقُلُوبُ بِهَا.
إذَا رَأَيْت الْبَقَرَ نِعَاجًا تَرِدُ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا ، تَقَرُّ بِقَرِيرِهَا ، مَعَهَا صُلُّغُهَا وَأَتَابِعُهَا ، فَقَدْ انْتَظَمَ جَمَالُهَا وَانْتِفَاعُهَا.
وَإِذَا رَأَيْت الْغَنَمَ فِيهَا السَّالِغُ وَالسَّخْلَةُ ، وَالْغَرِيضُ وَالسَّدِيسُ صُوفُهَا أَهْدَلُ ، وَضَرْعُهَا مُنْجَدِلٌ ، وَظَهْرُهَا مُنْسَجِفٌ ، إذَا صَعِدَتْ ثَنِيَّةً مَرَعَتْ ، وَإِذَا أَسْهَلَتْ عَنْ رَبْوَةٍ طَمَرَتْ ، تَقُومُ بِالْكِسَاءِ ، وَتَقَرُّ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، وَتَمْلَأُ الْحِوَاءَ سَمْنًا وَأَقِطًا ، بَلْهَ الْبَيْتِ ، حَتَّى يَسْمَعَ الْحَدِيثَ عَنْهَا كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَقَدْ قَطَعْت عَنْك لَعَلَّ وَلَيْتَ.