ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير. نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف ، وعلى يوسف من قبله ، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة ، وينفونها عنهم ، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب:
{قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} !
إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
.وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير. كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف ؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعاً للتهمة التي تحرجهم ، وتبرؤاً من يوسف وأخيه السارق ، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه!
لقد قذفوا بها يوسف وأخاه!
{فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} ..
أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه ، ولم يبد تأثره منها. وهو يعلم براءته وبراءة أخيه. إنما قال لهم:
{أنتم شر مكاناً} ..
يعني أنكم بهذا القذف شر مكاناً عند الله من المقذوف وهي حقيقة لا شتمة.
{والله أعلم بما تصفون} .. وبحقيقة ما تقولون. وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه ، ولا دخل له بالموضوع!..
وعندئذ عادوا إلى الموقف المحرج الذي وقعوا فيه. عادوا إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم: {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} .. فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى ، الشيخ الكبير ، ويعرضون أن يأخذ بدله واحداً منهم إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه ؛ ويستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه وصلاحه وبره لعله يلين:
{قالوا: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين} :
ولكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درساً. وكان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم ولوالده وللجميع! ليكون وقعها أعمق وأشد أثراً في النفوس:
{قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده. إنا إذاً لظالمون} ..