وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره ، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدّعيه على العقل حتى يضمّ إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة ، والمذاهب الزائفة ، وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتدّ به من هذه الأمة سلفاً وخلفاً ، وبما هو مشاهد في الوجود ، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب.
وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين ، فقال قوم: يمنع من الاتصال بالناس دفعاً لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته.
وقيل: ينفي ، وأبعد من قال إنه يقتل ، إلاّ إذا كان يتعمد ذلك ، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك ، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل.
ثم قال يعقوب لأولاده {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيْء} أي: لا أدفع عنكم ضرراً ولا أجلب إليكم نفعاً بتدبيري هذا ، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة.
قال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرّقهم كاجتماعهم.
وقال آخرون: ما كان يغني عنهم يعقوب شيئاً قط ، حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم ، ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال: {إِنِ الحكم إِلاَّ لله} لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك في ذلك {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في كل إيراد وإصدار لا على غيره أي: اعتمدت ووثقت {وَعَلَيْهِ} لا على غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} على العموم ، ويدخل فيه أولاده دخولاً أوّلياً.
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي: من الأبواب المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد.