الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَدَخَلَ مَعَ يُوسُفَ السِّجْنَ فَتَيَانِ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَتْرُوكٍ قَدْ تُرِكَ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} فَسَجَنُوهُ وَأَدْخَلُوهُ السِّجْنَ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَتَيَانِ، فَاسْتَغْنَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} عَلَى إِدْخَالِهِمْ يُوسُفَ السِّجْنَ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَكَانَ الْفِتْيَانُ فِيمَا ذُكِرَ: غُلَامَيْنِ مِنْ غِلْمَانِ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ: أَحَدُهُمَا صَاحِبُ شَرَابِهِ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ طَعَامِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ حَبْسِ الْمَلِكِ الْفَتَيَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"إِنَّ الْمَلِكَ غَضِبَ عَلَى خَبَّازِهِ، بَلَغَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسِمَّهُ، فَحَبَسَهُ وَحَبَسَ صَاحِبَ شَرَابِهِ، ظَنَّ أَنَّهُ مَالَأَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحَبَسَهُمَا جَمِيعًا؛ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنُ فَتَيَانِ} "
وَقَوْلُهُ: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ذُكِرَ أَنَّ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمَّا أُدْخِلَ السِّجْنَ، قَالَ لِمَنْ فِيهِ مِنَ الْمُحَبَّسِينَ، وَسَأَلُوهُ عَنْ عَمَلِهِ: إِنِّي أَعْبُرُ الرُّؤْيَا، فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ أُدْخِلَا مَعَهُ السِّجْنَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ فَلْنُجَرِّبْهُ
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا. فَقَالَ الْخَبَّازُ: إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا"
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا سَأَلَهُ الْفِتْيَانِ عَنْ رُؤْيَا كَانَا رَأَيَاهَا عَلَى صِحَّةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَعَلَى تَصْدِيقٍ مِنْهُمَا لِيُوسُفَ لَعَلِمِهِ بِتَعْبِيرِهَا.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {أَعْصِرُ خَمْرًا} أَيْ إِنِّي أَرَى فِي نَوْمِي أَنِّي أَعْصِرُ عِنَبًا. وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ.
وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لُغَةِ أَهْلِ عُمَانَ، وَأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا.
وَقَوْلُهُ: {وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الْآخَرُ مِنَ الْفَتَيَيْنِ: إِنِّي أَرَانِي فِي مَنَامِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا؛ يَقُولُ: أَحْمِلُ عَلَى رَأْسِي، فَوُضِعَتْ «فَوْقَ» مَكَانَ «عَلَى»
{تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} يَعْنِي مِنَ الْخُبْزِ.
وَقَوْلُهُ: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}
يَقُولُ: أَخْبِرْنَا بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَا أَخْبَرْنَاكَ أَنَّا رَأَيْنَاهُ فِي مَنَامِنَا وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ.