لكن الذي شاهدنه على المفاجأة من حسن يوسف نسخ ما قدرنه من قبل في أنفسهن وبدل مجلس الأدب والاحتشام حفلة عيش لا يكتم محتفلوها من أنفسهم ضميرا ولا يبالى حضارها ما قيل أو يقال فيهم ولم يلبثن دون ان قلن حاش لله ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم وقد قلن غير بعيد"امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انا لنراها في ضلال مبين".
وكلامهن هذا بعد قولهن ذاك اعذار منهن فمفاده ان الذي كنا نقوله قبل انما هو
حق لو كان هذا بشرا وليس به وإنما يذم الإنسان ويعاب لو ابتلى بهوى بشر ومراودته وكان في وسعه ان يكتفى عنه بما يكافئه ويغنى عنه وأما الجمال الذي لا يعادله جمال ويسلب كل حزم واختيار فلا لوم على هواه ولا ذم في غرامه .
ولهذا انقلب المجلس دفعة وانقطعت قيود الاحتشام فانبسطن وتظاهرن بالقول في حسن يوسف وكل تتكلم بما في ضميرها منه وقالت امرأة العزيز:"فذلكن الذي لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم"فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ثم هددت يوسف تجلدا وحفظا لمقامها عندهن وطمعا في مطاوعته وانقياده:"ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين".
واما يوسف فلم يأخذه شيء من تلك الوجوه الحسان بالحاظها الفتانة ولا التفت إلى شيء من لطيف كلامهن ونعيم مراودتهن أو هائل تهديدها فقد كان وجهة نفسه جمال فوق كل جمال وجلال يذل عنده كل عزة وجلال فلم يكلمهن بشيء ولم يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول وإنما رجع إلى ربه"فقال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه والا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن واكن من الجاهلين ."