وقد روي عن أبي بكر الزقاق أنه قال: جاورت بمكة عشر سنين فكنت أشتهي اللبن, فغلبتني نفسي يوماً فخرجت إلى عُسْفان, واستضفت حيّاً من أحياء العرب فنظرت بعيني اليمنى إلى جارية حسناء لم أر أحسن منها فأخذت بقلبي فقلت: يا جارية قد أخذ كلّك بكلي فما فيّ لغيرك مطمع, فقالت: تقبَح بك الدعاوى العالية وأنت في أسر شهوة لو كنت صادقاً قد ذهبت عنك شهوة اللبن, قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها, فقالت لي مِثلُكَ من نظر لله, فرَجعت إلى مكّة فطفت أسبوعاً ثم نمت فرأيت في منامي يوسفَ الصّدّيق - عليه السلام - فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى - عليه السلام -: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] فَصِحتُ من طيب تلاوته, ورخامة صوته, فانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة كما كانت؛ على أنّ في بني إسرائيل من جرى له قريباً من هذا وليس هذا من خصائص يوسف - عليه السلام - وذلك ما ذكره ابن الجوزي في عيون حكاياته قال أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أخبرنا أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني أبو عبد الله البلخي: أن شابّاً كان في بني إسرائيل لم يُرَ شابّ قطّ أحسن منه, وكان يبيع القِفَافَ, وبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلمّا رأته رجعت مبادرة, فقالت لابنة الملك: يا فلانة, إني رأيت بالباب شاباً يبيع القفاف لم أر شاباً قطّ أحسن منه, فقالت: أدخليه فخرجت إليه, فقالت: يا فتى أدخل نشتري منك, فدخل, فأغلقت الباب دونه, ثم قامت فاستقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها, فقال لها: استتري عافاك الله, فقالت: إنّا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا - تعني: المراودة عن نفسه - , فقال لها: اتّق الله, قالت: إنّك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابِرني عن نفسي, فأبى, ووعظها, فأبت, فقال: ضعوا لي وَضوءاً, فقالت: أعليّ, تعال يا جارية ضعي له وَضوءاً فوق الجوسق وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ, ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً, فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ إني دُعيتُ إلى معصيتك وإني أختار أن أصبِر نفسي