ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار به ، أكدته بالنون الثقيلة وقالت: {وليكونا} بالنون الخفيفة {من الصاغرين} أي الأذلاء ، أو أن الزيادة في تأكيد السجن لأنه يلزم منه إبعاده ، وإبعاد الحبيب أولى بالإنكار من إهانته ، فقال له النسوة: أطعها لئلا تسجنك وتهينك ، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: {قال} يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود ، دافعاً عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها ، ومن مكر النسوة اللاتي نوّعن له القول في الترغيب والترهيب عالماً بأن القوة البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد عظيم ، مسقطاً للأداة على عادة أهل القرب: {رب السجن} وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه {أحب إليّ} أي أقل بغضاً {مما يدعونني} أي هؤلاء النسوة كلهن {إليه} لما علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة ، وهذه العبارة تدل على غاية البغض لموافقتها ، فإن السجن لا يتصور حبه عادة ، وإنما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه كان ميلي إليه أكثر ، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه شر محض ، ومع ذلك فأنا أوثره على ما دعونني إليه ، لأنه أخف الضررين ، والحاصل أنه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام ، فكأنه قيل: السجن أقل بغضاً إلى ما تدعونني إليه ، وذلك هو ضد"أحب"الذي معناه أكثر حباً ، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقروناً بالدليل ، وذلك أنه لما فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه ، فُهم قطعاً أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول ، فعلم قطعاً أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه ، وكذا كل ما فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة كون المفضل متحققاً بضده - والله الموفق ؛ والدعاء: طلب الفعل من المدعو ، وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك ، والأمر لمن دونك {وإلا تصرف} أي أنت يا رب