فقال الفرزدق: نعم، فقال كثير: والله لولا إني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع هشام بن عبد الملك وهو على سرير ملكه، فقال الفرزدق: والله لأعرّفن بذلك هشاما ثم توادعا وافترقا فلما وصل الفرزدق إلى دمشق دخل إلى هشام بن عبد الملك فعرّفه بما اتفق له مع كثير فقال له: اكتب إليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه إياها، فكتب إليه بذلك فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلا رأى غرابا على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط فاصفر لونه وارتاع من ذلك وجدّ في السير ثم إنه مال ليسقي راحلته من حي بني فهد وهم زجرة الطير فبصر به شيخ من الحي فقال: يا ابن أخي أرأيت في طريقك شيئا فراعك؟ قال: نعم رأيت غرابا على بانة يتفلى وينتف ريشه فقال له الشيخ: أما الغراب فإنه اغتراب والبانة بين والتفلي فرقة، فازداد كثير حزنا على حزنه لما سمع من الشيخ هذا الكلام وجدّ في السير إلى أن وصل إلى دمشق ودخل من أحد أبوابها فرأى الناس يصلون على جنازة فنزل وصلى معهم، فلما قضيت الصلاة صاح صائح لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم، فقال: ما هذا اليوم يا سيدي؟ فقال: إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها فخر مغشيا عليه، فلما أفاق أنشأ يقول:
فما أعرف الفهدي لا درّ دره ... وأزجره للطير لا عزّ ناصره
رأيت غرابا قد علا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقال غراب واغتراب من النوى ... وبانة بين من حبيب تعاشره
ثم شهق شهقة فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد.
وحكى الأصمعي: قال: بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت:
أيا معشر العشّاق بالله خبروا ... إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع
فكتبت تحته:
يداري هواه ثم يكتم سرّه ... ويخشع في كلّ الأمور ويخضع
ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته:
فكيف يداري والهوى قاتل الفتى ... وفي كلّ يوم قلبه يتقطع
فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبرا لكتمان سرّه ... فليس له شيء سوى الموت أنفع
ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد كتب قبل موته:
سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا ... سلامي على من كان للوصل يمنع
وحكي أيضا عن الأصمعي رحمه الله تعالى أنه قال:
بينما أنا نائم في بعض مقابر البصرة إذ رأيت جارية على قبر تندب وتقول:
بروحي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الحبّ صبرا على الحب