فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 227890 من 466147

فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة؛ وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه الكرب لكتمان السر، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسُّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل، وحكة الجرب، ومثل لسع الدبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرزانة والخفة. فإذا باح بسره فكأنه أنشط من عقال. ولذلك قيل:"الصدر إذا نفث برأ"مثلاً مضروباً لهذه الحال. وقيل:"ولا بدَّ من شكوى إذا لم يكن صبرُ".

وليس قولنا"طبع الإنسان على حب الإخبار والاستخبار"حجةً له على الله، لأنه طبع على حب النساء ومُنع الزنى، وحبب إليه الطعام ومُنع من الحرام. وكذلك حُبِّب إليه أن يخبر بالحق النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك، فاختار الهوى على الرأْي.

ومما يؤكد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلاً عن غيرهم، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخباراً مستورة لا يحتملها العوامّ، فضاق صدره بها، فكان يبرز إلى العراء فيحتفر بها حفيرةً يودعها دنّاً، ثم ينكب على ذلك الدّنّ فيحدثه بما سمع، فيروح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سره من وعاء إلى وعاء.

وكان الأعمش سيئ الخلق غلقاً، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما يحب طيَّه عنهم، وتكرار ما يحدثهم به، ويتعنتونه، فيحلف لا يحدثهم الشهر والأكثر والأقلَّ، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلعت الأخبار إلى الخروج منه، فيقبل على شاةٍ كانت له فيحدثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب الحديث يقول:"ليت أني كنت شاة الأعمش".

وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سره فقال: أكلت الحامض والحلو حتى ما أجد لهما طعماً، وأتيت النساء حتى ما أبالي أمرأةً لقيت أم حائطاً، فما بقيت لي لذة إلا وجود أخٍ أضع بيني وبينه مؤونة التحفظ.

وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا عنا. ففعل، فقال: اللذة طرح المروءة.

وقد صدق عمرو، ما تكون الزماتة والوقار إلا بحملٍ على النفس شديد، ورياضةٍ متعبة.

وقال بعض الشعراء:

ألم تر أن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت