فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 227891 من 466147

فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيحٍ نصيحا

والسر - أبقاك الله - إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذنٍ واحدةٍ فليس حينئذ بسرٍّ، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النشر والشهرة. وإنما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع إلى أذنٍ ثانية. وهو مع قلة المأمونين عليه، وكرب الكتمان، حريٌّ بالانتقال إليها في طرفة عين.

وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه أسرع، وبه أسخى وفي الحديث به أعذر، والحجة عنه أدحض.

ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبداً إلى حيث انتهى.

هذا أيضاً إذا استعهد المحدَّث واستكتم، وكان عاقلاً حليماً، وناصحاً وإذاً، فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشي بالنمائم ويحبُّ إفشاء المعايب، وكان ممن ينطوي على غشٍّ أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفعٍ أو دفع ضرر.

فاللوم إذ ذاك على صاحب السر أوجب، وعمن أفضى به إليه أنزل؛ لأنه كان مالكاً لسره فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو العبد القنَّ المملوك لمن ائتمنه على سرِّه، وملَّكه رقّ رقبته؛ فإن شاء أحسن ملكته لحفظ ذلك السر فجزّ ناصيته، وجعله رهينةً ليوم عتبه عليه. وقل من يحسن الملكة، ويحرس الحرِّيَّة أو يضبط نفسه؛ فإنه ربما لم يخرجه غِشّاً فأخرجه سخفاً وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السر واسترعاه من هو أشد له إضاعة، فسفك الدم وأنال النعم وكشف العورة وفرق بين الجميع، وإن كان المضيع لسره ألوم. قال الشاعر:

إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق

فمن أسوء حالً، وأخسر مكاناً، وأبعد من الحزم، ممن كان حرّاً مالكاً لنفسه فصيَّر نفسه عبداً مملوكاً لغيره، مختاراً للرق، من غير أسرٍ ولا قسر! والعبيد لم يصبروا على الرق إلا بذلّ الأسر والسِّباء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت