القسم السادس: أن يقيم للسكن؛ وهذا أخطر مما قبله وأعظم، لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر، وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهلُه بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد، وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر؛ ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه، ويسمعه بأذنيه، ويرضى به؟!
بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
10 -شبهة: إيواء يوسف أبويه قبل الدخول، وقوله: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} بعد دخولهم عليه.
نص الشبهة:
كيف يقول يوسف - عليه السلام: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} بعد الدخول؟ وما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان معنى الإيواء.
الوجه الثاني: مما قيل في معنى هذا الاستثناء.
الوجه الثالث: قال لهم ذلك بعدما دخلوا عليه.
الوجه الرابع: أن يوسف - عليه السلام - تلقاهم قبل دخولهم مصر.
الوجه الخامس: تعلقت المشيئة بالدخول مكيفًا بالأمن.
الوجه السادس: معنى الدخول أي: الإقامة والتمكن والاستقرار.
الوجه السابع: يوسف - عليه السلام - استقبلهم في بيت، ثم قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان معنى الإيواء.
إن الإيواء يطلق في اللغة على عدة معاني فتقول: أويت منزلي وإلى منزلي، وأويت وتأويت وأتويت كله بمعنى: عدت، لقوله - صلى الله عليه وسلم:"أما أحدهم: فأوى إلى الله" (1) أي: رجع إليه.
قال لبيد:
بصبوح صافية وجدت كرينة ... بموتر تأتي له إبهامها
قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا، وآونا أي: ردنا، وأوى إليه أويه وأية ومأوية ومأواة أي: رق ورثى له، قال زهير:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا
وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخوي في سجوده حتى كنا نأوي له بمنزلة.