إن في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر؛ بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك.
فيجوز عمل الرجل الصالح للرجل الفاجر بما يقتضيه الشرع والعدل، لا بما يختاره ويشتهيه مما لا يسيغه الشرع.
والأصح أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه؛ كالصدقات والزكوات، فيجوز توليته من جهة الظالمين؛ لأن النص على مستحقيه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التنفيذ.
والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به، ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليته من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حقٍ ويجتهد فيما لا يستحق.
والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله وللاجتهاد فيه مدخل؛ كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد فيه محلول، فإن كان النظر تنفيذًا لحكم بين متراضيين أو توسطًا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز.
الوجه الثاني:
وقيل: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذ اليوم غير جائز.
الوجه الثالث:
فرعون يوسف - عليه السلام - كان صالحًا، وإنما الطاغي الكافر هو فرعون موسى.
الوجه الرابع:
أن شرع يوسف - عليه السلام - لم يكن شريعة عامة تلزم جميع الناس في زمنه، وإنما هو ملتزم بها مع أبناء يعقوب، وإنما كانت دعوته لأهل مصر إلى التوحيد والإيمان، ولا دليل على وجود شريعة ملزمة أرسل بها يوسف إليهم، وكانت لازمة لهم فردوها ولم يعملوا بها، ولا يتم الاستدلال بجواز تولي الولايات للكفرة والظلمة وممارسة الظلم فضلًا عن الكفر إلا بإثبات ذلك، وإثبات أن يوسف بعد ردهم للشريعة ظلَّ يطبق فيهم شرعتهم الباطلة المخالفة لشرع الله، ولا سبيل إلى إثبات ذلك بوجه من الوجوه.
الوجه الخامس: أن الاستدلال بقصة يوسف - عليه السلام - في هذه المسألة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.