القسم الثالث: من الحكم الكوني الحكم على العبد بالمعصية والخذلان، فهذا يجب عليه أن يفر منه وينازعه بقدر من الطاعة والتوبة والإنابة والتضرع إلى الله أن يأخذ بناصيته إليه، وأن يوفقه لما يحب ويرضى، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وبهذا يحقق العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } ، وفي هذا النوع بعد تحقيق التوبة والإنابة والإصلاح ما استطاع - يكون القدر بالنسبة إلى ما قد دفع في الماضي بالفعل ولا قدرة على تغيير هذا الماضي، بل قدرته في إزالة آثاره وقد فعل؛ يكون القدر في هذه الحالة عذرًا للعبد وحجة يحتج بها (كما حَجَّ آدمُ موسى بذلك) .
وكما قال كعب بن مالك - رضي الله عنه - بعد توبته وقبولها: (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت، غير أنه لم يقدر له ذلك) . فهو باقٍ على ندمه على التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، ويتمنى أن لو كان لم يقع في الذنب، وهذا من كمال الندم، ولكنه يسلي نفسه ويعزيها بالقدر كما أنه في النوع الثاني؛ وهو الحكم الكوني الذي للعبد فيه قدرة على الأسباب - يكون الاستسلام للقدر مأمورًا به بعد استفراغ الوسع في أخذ الأسباب، وقد لا تثمر ثمرتها
ولا تؤتي نتيجتها فقد نسي الرجل الساقي أن يذكر أمر يوسف للملك، فما كان من يوسف إلا التسليم والرضا بقضاء الله، فإن الأسباب ليست موجبة لنتائجها، فلا يحزن العبد ولا يغتم ولا يهتم، فقد جعل الله الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، فلا بد من التسليم والتفويض والتوكل على الله والثقة به سبحانه وتعالى.