ومن دواعي تعريف المسند إليه بالإشارة قصد تعظيم المسند إليه أو تحقيره بتعريفه باسم الإشارة الموضوع للبعيد، فما قلناه في التعريف باسم الإشارة الموضوع للقريب من حيث الدلالة على التعظيم أو التحقير نقوله كذلك في التعريف باسم الإشارة الموضوع للبعيد من حيث دلالته على تعظيم المشار إليه مرة في مقام، ول دلالته على تحقيره في مقام آخر.
ولكل دلالة وجهتها، فالجهة منفكة والوجهة مختلفة - كما قلنا آنفًا - ومن هذا المنطلق نجد تعريف المسند إليه بالإشارة للبعيد تفيد تعظيمه تنزيلًا لبعد درجته وعلو مرتبته منزلة بعد المسافة؛ ف يعبر عنه حينئذٍ باسم الإشارة الموضوع للبعيد للدلالة على قصد التعظيم، كما في قول الله تعالى حكايةً عن امرأة العزيز ردًّا على أولئك النسوة اللاتي لمنها: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}
لم تقل: هذا مع إنه قريب حيث كان حاضرًا في المجلس؛ رفعًا لمنزلته في الحسن، وتمهيدًا للعذر في الافتتان به.
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ... (36) }
علاقة: اعتبار ما يكون، الحالية، المحلية، الآلية، المجاورة
من علاقات المجاز المرسل اعتبار ما يكون، وهو تسمية الشيء باسم ما سيكون عليه في المستقبل، ومما يتمثل فيه المجاز على هذا النسق قول الله تعالى يحكي قولة صاحب يوسف - عليه السلام - في السجن: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ}
والمجاز كائن في لفظ الخمر، وواضح أنه غير مستعمل في معناه الحقيقي بقرينة قوله: {أَعْصِرُ} لأن الخمر لا تعصر فهي بطبيعتها عصير وهو لا يعصر، ومؤدى هذا أن المراد بهذا اللفظ العنب أو ما كان على شاكلته مما يمكن عصره وتخميره، وإنما لم يعبر عن هذا المعنى المراد باللفظ الموضوع له في عرف اللغة وعبر عنه بالمجاز؛ لبيان المقصود من العصر، وهو أن يصير في المآل خمرًا.