هذا؛ ولك أن تسأل قائلًا: كيف سُميت هذه اللام لام العهد الذهني مع أن مدخولها فرد غير معين، فلا عهد فيه لازمًا ولا خارجًا؟
وأجيبك: بأنه معهود في الذهن باعتباره أحد أفراد الحقيقة المعهودة في الذهن، بمعنى أنها معلومة متميزة عما عداها من الحقائق، فعهديته تبع لعهدية الماهية، وصح ب هذا الاعتبار اعتبار الفرد المبهم معهودًا ذهنيًّا، وصح تسمية هذه اللام الداخلة عليه بلام العهد الذهني.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) }
وقد يأتي الكلام على الحذف، ثم تراه يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند أو المسند إليه، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}
ففي هذه الآية الكريمة يحتمل أن يكون المحذوف المسند إليه، وتقديره: فصبري صبر جميل أو فشأني وأمري صبر جميل. ويحتمل أن يكون المحذوف المسند، وتقديره: فصبر جميل أولَى بي، أو فصبر جميل أجمل. والصبر الجميل: هو الذي لا شكوى معه. وغير الجميل ما كان معه شكاية، ولكنه خير من عدمه. فيصح تفضيل الصبر الجميل عليه.
والأرجح، أن يكون المحذوف هو المسند إليه، إذ الآية الكريمة مسوقة لمدح يعقوب - عليه السلام - وحين يكون المحذوف والمسند إليه يكون الكلام دالًّا على حصول الصبر له. إذ التقدير: فأمري أو فصبري صبر جميل. أو على جعل المحذوف هو المسند، فليس في الكلام ما يدل دلالةً مباشرةً على حصول الصبر ليعقوب - عليه السلام - إذ تقديره: فصبر جميل بي أو فصبر جميل أجمل.
كذا ذكره سعد التفتازاني في (المطول) .
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (23) }
ومن دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية: زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، كما في قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ}