وأراد بقوله: يوسف أعرض عن هذا، اكتم هذا الأمر ولا تتحدث به صيانة لعرضنا وشرفنا في قومنا، ثم قال لامرأته:"استغفري لذنبك"، وكان رجلا حليما، وقيل: كان قليل الغيرة، والشاهد حذف حرف النداء، وله هنا رمز لطيف، وكأنه يهمس بهذا الخبر في أذن يوسف محاذرًا أن يسمعه أحد، ثم فيه تقريب، وملاطفة ليوسف عليه السلام، وإيماء خفي بأن الخبر كله يجب أن يضمر في السرائر، وألا يجري به لسان، وكان المجتمع المصري في فجر التاريخ مجتمع سيادة وشرف وثراء وملك ونعمة، وقيم وأخلاق، وكل هذا تراه في هذه السورة التي هي كنز مصر القديم، ولاحظ أن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، وكان بينه وبين نوح أسماء معدودة، ونوح هو آدم الثاني؛ لأنه لم يبق من ولد آدم بعد الطوفان إلا من كان من نسله، وهذا مرادنا بفجر التاريخ، ثم تأمل حال البلاد الآن، وكيف حال حالها في يد العصابات، وقطاع الطرق وعد إل حذف جزء الكلمة.
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) }
ومما جاء على حذف الفاعل قوله تعالى في شأن سيدنا يوسف عليه السلام: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) } .
والأصل ثم بدا لهم الأمر ولكنه حذف، وحذفه يشير إلى الاستخفاف به؛ لأنه أمر ساقط جائر، فقد بدا لهم بعد ما رأوا الآيات، فكيف يسجنونه؟
{تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا (85) }
وأبين من هذا كله قوله تعالى: في حكاية قول أخوة يوسف لأبيهم: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا (85) }
والأصل لا تفتأ تذكر يوسف حتى تفنى وتبلى، والحرض ما لا يعتد به، قال ابن أبي الإصبع: إنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالا وأعرف عن الكافة، من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالًا من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة الحرض.