{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) }
(الجملةُ التوكيديّة)
* قد تكون من قبيل التوكيد اللّفظيّ مثل قول الله عزَّ وجلَّ: {فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} .
* وقد تكون من قبيل التوكيد المعنويّ، مثل ما حكى الله عزّ وجلّ في سورة يوسف عمّا قال النسوة حين رأَيْنَ يوسف عليه السلام في بيت العزيز: {مَا هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} .
فجملة {إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} توكيدٌ معنويٌّ لجملة {مَا هذا بَشَراً} لأنّ إثبات كونه ملكاً كريماً تأكِيدٌ وتحقيقٌ لنفي كونه بشراً.
ومثل قول المتنبيّ:
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدي ... إِذا قُلْتُ شِعراً أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِداً
{وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً ... (36) }
أي: أَعْصِرُ عِنَباً ليكون فيما بَعْدُ خَمْراً، فَأُطْلِقَ في هذه العبارة لفظُ الْخَمْر عَلى الْعِنَب باعتبار المقصود من عَصْرِه وهو أن يكون فيما بَعْدُ خمْراً.
وظاهرٌ أَنَّ فائدة هذا المجاز الإِيجاز، وهو من الأغراض البلاغيّة الكبرى، فبدل أن يقول: إني أراني أعصر عنباً ليكون في المستقبل خمراً، قال: إني أراني أعْصِر خمراً. والقرينة الصارفة قرينة عقلية، لأنّ الخمر لا تُعْصَر.
{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) }
(الاطّراد)
قالوا: من البديع أن يذكر المتكلّم آباءَ من يَتَحَدَّثُ عنه متسلسلة على وفق الترتيب الطبيعيّ الذي هُوَلَهُمْ، في سلسلة نَسَبِهم، بدءاً من الجدّ الأعلى وتنازلاً إلى الأب المباشر، أو بالعكس، إذا كان له غرضٌ بذكرهم، وسمّوا هذا"الاطّراد"وهذه التسمية ملائمة للمعنى اللّغوي للكلمة، فالاطّراد في اللّغة: التتابُع والتسلسل، يُقَالُ: اطَّرَدَ النَّهْرُ، إذا تتابع جَرَيانُ مائة، واطَّرَدَ الكلامُ أو الحديثُ، إذا جرَى مجرى واحداً متَّسِقاً.