وقالوا: وهم يمتارون لأنفسهم، ويميرون غيرهم ميرا.
أقول: وقد ورث العراقيون أصولا عربية في العصر الحديث، ممّ استعمله الأتراك في الشؤون العسكرية، فكان في تنظيمات الجيش العراقي مديرية الميرة.
27 -وقال تعالى: (قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ [الآية 66] .
أقول: اجتزئ بكسرة النون عن الياء في «تؤتوني» ، وذلك أحفل في السماع في التلاوة المستجادة، من المدّ الطويل الذي يكون في الياء.
لقد مرت بنا نظائر لهذا الاجتزاء بالكسرة، وكان آخرها قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ(60) .
ولكن السبب في هذا الاجتزاء بالكسرة، في هذه الآية، أنّها فاصلة، وآخر كلمة في الآية يحسن الوقف عليها، فتطوى الكسرة، ويبقى النون ساكنا.
ومثل هذا كثير في الوقف.
28 -وقال تعالى: (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ(69) .
قوله تعالى: (فَلا تَبْتَئِسْ معناه فلا تحزن ولا تستكن.
ابتأس الرجل، إذا بلغه شيء يكرهه.
وليس بعيدا أن يكون الفعل ابتأس بهذه الدلالة، إذا كان البأس هو الشدة والعذاب والحرب، والبأساء كالبؤس أيضا.
29 -وقال تعالى: (قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ [الآية 72] .
قالوا: الصّواع هو السّقاية التي وردت في الآية التي قبلها في قوله تعالى: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ(70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ. والسّقاية، هي المشربة التي كان يشرب منها الملك، ثم جعل صاعا في السنين الشّداد القحاط، يكال به الطعام.
وقرأ أبو هريرة: نفقد صاع الملك.
وقرأ يحيى بن يعمر: صوغ الملك.
وقرأ سعيد بن جبير: صواغ الملك.
أقول: والقراءة بالعين مرة وبالغين أخرى، دليل تعاقب الصوتين في طائفة من كلمات العربية، مسايرة للّغات الخاصة، وهو ما ندعوه ب «اللهجات» في عصرنا، وسيأتي من هذا الباب قراءات في آيات أخرى سنشير إليها. انتهى انتهى {من بديع لغة التنزيل} .