وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام ، فقرأ بهذه الآية ، فغشي عليه ، فلما أفاق قيل له ، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم ، فكيف بالظالم ؟ انتهى .
قال اليماني: قد وسع العلماء في ذلك وشددوا ، والحالات تختلف ، والأعمال بالنيات ، والتفصيل أولى ، فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو استعانة عليه ، أو رجاء تركهم الظلم ، أو استكفاء شرورهم فلا حرج في ذلك ، وربما وجب ، وإن كان لإيناسهم وإقرارهم فلا . انتهى .
وأقول: كل هذا مبني على عموم الآية ، وأما إن كانت في مشركي مكة اعتماداً على سباق الآية وسياقها ؛ فالمراد منها ما ذكرناه أولاً - والله أعلم - .
القول في تأويل قوله تعالى:
{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [114] .
{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} أي: غدوة وعشية: {وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} أي: وساعات منه ، وهي ساعاته القريبة من آخر النهار ، من (أزلفه) إذا قربه ، وازدلف إليه . وصلا الغدوة: الفجر ، وصلاة العشية: الظهر والعصر ، لأن ما بعد الزوال عشي ، وصلاة الزلف المغرب والعشاء - كذا في"الكشاف"- .
والآية كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر} [الإسراء: من الآية 78] في جمعهما للصلوات الخمس جمعاً بالغاً غاية اللطف في بلاغة الإيجاز ، وانتصاب (طرفي النهار) على الظرف لإضافته إليه . و (زلفاً) قرأها العامة بضم ففتح ، جمع زلفة ، كظلمة وظلم . وقرئ بضمها ، إما على أنه جمع زلفة أيضاً ، ولكن ضمت عينه إتباعاً لفائه ؛ أو على أنه اسم مفرد كعنق . أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف .
وقرئ بإسكان اللام ، إما بالتخفيف ، فيكون فيها ما تقدم ، أو على أن السكون على أصله ، فهو كبسرة وبسر ، من غير إتباع .