والمترف: الذي أبطرته النعمة ، يقال: صبيّ مترف: منعم البدن ، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ، ورفاهية الحال وسعة الرزق ، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا أعمارهم في الشهوات النفسانية ؛ وقيل المراد بالذين ظلموا: تاركو النهي.
وردّ بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشدّ ظلماً ممن لم يباشر ، وكان ذنبه ترك النهي.
وقرأ أبو عمرو في رواية عنه:"وأتبع الذين ظلموا"على البناء للمفعول ، ومعناه: أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه ، وجملة: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} متضمنة لبيان سبب إهلاكهم ، وهي معطوفة على أترفوا: أي وكان هؤلاء الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين ، والإجرام: الأثام.
والمعنى: أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم الشهوات ، واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ، ويجوز أن تكون جملة: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} معطوفة على {واتبع الذين ظلموا} : أي اتبعوا شهواتهم ، وكانوا بذلك الاتباع مجرمين.
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} أي: ما صحّ ولا استقام أن يهلك الله سبحانه أهل القرى بظلم يتلبسون به وهو الشرك ، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي الحقوق لا يظلمون الناس شيئاً.
والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضمّ إليه الفساد في الأرض ، كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم ، وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء.
وقيل: إن قوله: {بِظُلْمٍ} حال من الفاعل.
والمعنى: وما كان الله ليهلك القرى ظالماً هم حال كونهم مصلحين غير مفسدين في الأرض ، ويكون المراد بالآية تنزيهه سبحانه وتعالى عن صدور ذلك منه بلا سبب يوجبه ، على تصوير ذلك بصورة ما يستحيل منه ، وإلا فكل أفعاله كائنة ما كانت لا ظلم فيها ، فإنه سبحانه ليس بظلام للعبيد.