السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، قَالُوا: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَحَدَّى الْعَرَبَ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّحَدِّي: أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُمُ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا عَجَزُوا عَنْهُ ظَهَرَ كَوْنُهُ حُجَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّه عَلَى صِدْقِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُمْكِنُ لَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ صَحِيحَ الْوُجُودِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَكَانَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ الْقَدِيمِ مُحَالًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّحَدِّي؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّه تَعَالَى، وَعَلَى هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، وَالتَّحَدِّي إِنَّمَا وَقَعَ بِهَا لَا بِالصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
الْمُرَادُ مِنْهُ: تَعْلِيمُ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهَا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا تَعَاوَنَتْ وَتَعَاضَدَتْ صَارَتْ تِلْكَ الْعُقُولُ الْكَثِيرَةُ كَالْعَقْلِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا تَوَجَّهُوا نَحْوَ شَيْءٍ وَاحِدٍ، قَدَرَ مَجْمُوعُهُمْ عَلَى مَا يَعْجَزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: هَبْ أَنَّ عَقْلَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ مِنْكُمْ لَا يَفِي بِاسْتِخْرَاجِ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ فَاجْتَمِعُوا وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ عَجْزَكُمْ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ وَحَالَةَ الِانْفِرَادِ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ تَعَذُّرَ هَذِهِ
الْمُعَارَضَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ قُدْرَةَ الْبَشَرِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِهَا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اللَّه لَا فِعْلُ الْبَشَرِ.