اعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَرَّرُوا وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ نَفْيِ عِلْمِ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ تَقْرِيرُ نَفْيِهِ فِي نفسه، وبيان أنه لَا وُجُودَ لَهُ ألْبَتَّةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَكَانَ مَعْلُومًا للَّه تَعَالَى، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا للَّه تَعَالَى وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مَشْهُورٌ فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: مَا عَلِمَ اللَّه هَذَا مِنِّي، وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُ مَا حَصَلَ ذَلِكَ قَطُّ.
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22)
فِي هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ جَعَلَ الْكَوْنَ فِي الْفُلْكِ غَايَةً لِلتَّسْيِيرِ فِي الْبَحْرِ، مَعَ أَنَّ الْكَوْنَ فِي الْفُلْكِ مُتَقَدِّمٌ لَا مَحَالَةَ عَلَى التَّسْيِيرِ فِي الْبَحْرِ؟
وَالْجَوَابُ: لَمْ يَجْعَلِ الْكَوْنَ فِي الْفُلْكِ غَايَةً لِلتَّسْيِيرِ، بَلْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ كَأَنَّهُ قِيلَ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ حَتَّى إِذَا وَقَعَ فِي جُمْلَةِ تِلْكَ التَّسْيِيرَاتِ الْحُصُولُ فِي الْفُلْكِ كَانَ كَذَا وَكَذَا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا جَوَابُ إِذا فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) ؟
الْجَوَابُ: هُوَ أَنَّ جَوَابَهَا هُوَ قَوْلُهُ: (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَأَمَّا قَوْلُهُ:(دَعَوُا اللَّهَ) فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ ظَنُّوا لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ مِنْ لَوَازِمِ ظَنِّهِمُ الْهَلَاكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ لَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ: (دَعَوُا اللَّهَ) عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَانَ أَوْضَحَ، كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) قَالَ قَائِلٌ فَمَا صَنَعُوا؟
فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ.