لحمل (1) على أنه أراد الضلال منهم، وذلك لا يصح عقلا وسمعا، لأنه تعالى قد دعاهم إلى خلاف الضلال، وبعث الأنبياء ليدعوهم إلى خلافه، وقد قال تعالى:
{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (2) فبين أنه أراد منهم خلاف الضلال، وقال لموسى وهارون:
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى} فبين أنه لا يريد منهم إلا التذكر والخشية، وذلك لا يطابق إرادته الضلال منهم، بل يناقض ذلك وينافيه.
قال - رحمه الله: ولئن جاز أن يعطيهم الزينة والأموال لكى يضلوا، ليجوزن أن يبعث إليهم الأنبياء ليدعوهم إلى الضلال، وذلك يوجب زوال الثقة بالكتاب والسنة والدلائل والنبوات!
وقد قيل: إن المراد به الإنكار لأن يعطيهم الأموال في الدنيا لكى يضلوا، لأنه لا يمتنع أن يكون القوم مجبرة ينسبون الضلال إليه تعالى وإلى أنه واقع بإرادته، فقال موسى منكرا لذلك: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} ! بمعنى أنك لم تفعل يا رب ما فعلته من الإنعام لكى يضلوا! وهذا كما يقول أحدنا لولده عند العتب واللوم: قد أعطيتك الأموال وأديتك وعلمتك لكى تعصينى، على طريق الزجر عن معصيته.
وقد قيل: إن المراد به الاستفهام وإن حذف حرف الاستفهام عنه، لما في الكلام من الدلالة عليه، فكأنه عليه السلام قال (3) : يا رب أعطيتهم الأموال والزينة والأحوال في الدنيا ليضلوا عن سبيلك؟ وأراد به نفى أن يكون فعل
(1) د: حمله.
(2) سورة الأعراف: 130.
(3) د: كان قال.