وَأَمَّا مَعْنَى"رُوحِ الْقُدُسِ"وَبُطْلَانُ مَا زَعَمُوهُ مِنْ كَوْنِهِ هُوَ اللهَ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (2: 87) وَآيَةِ: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ (4: 171) الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا .
(11) إِنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَدَاوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ ، وَلِتَنْزِيهِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْجِنْسِ وَالْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ ، لَمْ يَذْكُرْ فِي صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَرَدَ فِي الْعَهْدَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ ، مِنْ تَنَزُّهِهِ تَعَالَى عَنِ النِّدِّ وَالنَّظِيرِ وَالشَّبِيهِ ، الَّذِي يَجِبُ بِحُكْمِ الْعَقْلِ أَنْ تُئَوَّلَ لِأَجْلِهِ أَوْ تُحْمَلَ عَلَيْهِ وَتُقَيَّدَ بِهِ جَمِيعُ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّشْبِيهِ ، كَمَا جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَقَوْلَهُ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
عَمَّا يَصِفُونَ أَصْلَ عَقِيدَةِ التَّنْزِيهِ وَقَيَّدُوا بِهَا مَعَانِيَ الْآيَاتِ الْمُوْهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي سِفْرِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ (4: 12) فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ جَوْفِ النَّارِ فَسَمِعْتُمْ صَوْتَ كَلَامِهِ ، وَلَمْ تَرَوُا الشَّبَهَ أَلْبَتَّةَ (15) فَاحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ بِحِرْصٍ فَإِنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا شَبَهًا يَوْمَ كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ فِي حُورِيبَ مِنْ جَوْفِ النَّارِ) وَالْعُقَلَاءُ مِنَ الْيَهُودِ يَرُدُّونَ جَمِيعَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّشْبِيهُ وَالْأَعْضَاءُ لِلرَّبِّ تَعَالَى إِلَى هَذَا النَّصِّ النَّافِي لِلتَّشْبِيهِ .