وهذا أقوى دليلاً، ولهذا اختارَهُ إمامُ الحَرَمين أبو المعالي.
هذا في حُكمِ الإيمانِ وأُخُوَّةِ الدينِ، وأما حُكْمُ الكَفِّ عَنْهُمْ، فإنَّ إقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ شَرْطٌ فيه، لا خلافَ في ذلك علمتُه بينَ أهلِ العلمِ.
والدليلُ عليهِ مع الآيةِ ما رويناه في"صحيح مسلمٍ"، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ -
رضي الله تعالى عنه - بعدَهُ، وكَفَر مَنْ كَفَرَ من العربِ، قال عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله تعالى عنه - لأبي بكرٍ: كيف تقاتلُ الناسَ، وقدْ قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمنْ قالَها، فقدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكرٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: واللهِ لأقَاتلنَّ من فَرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزكاةِ؛ فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعوني عِقالاً مِمّا كانوا يُؤَذُونَهُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، لَقاتلتُهُمْ على مَنْعِهِ، فقال عمرُ بنُ الخَطّابِ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: فواللهِ ما هُو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعرفْتُ أنه الحَقُّ.
وما رويناه في"صحيح مسلم"عنِ ابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يَشْهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزكاةَ، فإذا فعلوهُ، فقد عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهُم، وحسابُهم على الله".
* فإن قلتَ: فما حُكْمُ الزكاةِ، هل إيتاؤها شرطٌ في الإيمانِ
وأخوةِ الدينِ كالصلاةِ عندَ مَنْ يشترطُ ذلك؟
قلتُ: أجمعَ المسلمونَ على أن مانِعَها مسلمٌ، وليسَ بكافرٍ، فقد مَنَعَها وغَلَّها في عَصْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعَصْرِ أَصْحابه مانِعون، ولم يُكَفِّروهم.
فإن قلت: فأبو بكرٍ - رضي اللهُ تعالى عنهُ - حكمَ في مانِعي الزكاةِ بِحُكْمِ المُرْتَدِّ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِم.
قلتُ: لم يحكمْ فيهم بذلكَ لِمَنْعِ الزكاةِ وَحْدَهُ، بلْ لمنعِهم الزكاةَ، وبِجَحْدِهِمْ وُجوبَها، وذلكَ أن العربَ افترقَتْ في زمنِه - رضيَ الله تعالى عنه - ثلاثَ فِرَقٍ.