ثم أخبر عن الذي عنده علم الساعة بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] إلى قوله: {فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: 195] والإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ؛ تعريف نفسه بالخالقية والقادرية على أنه يخلق النفوس كلها من نفس واحدة وهي: نفس آدم عليه السلام، وفيه يشير إلى أن النفوس كما خلقت من نفس واحدة فكذلك الأرواح خلقت من روح واحدة وهو: روح محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هو أبا الأرواح كما كان آدم أبا البشر لقوله صلى الله عليه وسلم:
"أنا لكم كالوالد لولده"وقوله صلى الله عليه وسلم:"أول ما خلق الله روحي"فإن أول كل نوع هو المنشأ منه ذلك النوع من الحيوانات والنبات بقوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] يشير إلى أن آدم عليه السلام لما خلق ونفخ في الورح كان روحه مستوحشاً من القلب الجسماني؛ لأنه كان أنيس الحق تعالى في حضائر القدس بكذا ألف سنة؛ ولهذا سمي إنساناً، ثم ولد له من نفسه بالنفخة الإلهية حواء، فلو لم يخلق حواء من نفسه لما سكن روحه إلى غير الحق، ومع هذا ما كان ليسكن روحه وروحها إلى شيء حتى أمر بالسكون إلى الجنة ونعيمها تأكيداً لمساكنة كل واحد منهما إلى الآخر بقوله تعالى: {وَقُلْنَا يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] وهذا أمر التكوين إلى سكون الروح إلى القلب؛ لأنه خلق منه؛ ولأنه كان مخصوصاً بين الأصبعين من أصابع الله تعالى، وكان الروح يشم من القلب نسيم نفحات ألطاف الحق تعالى.