ثم أخبر عن بداية الهداية أنها التفكر والتذكر بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 184] إلى قوله: {يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] الإشارة فيه: أن التفكر بالعقل السليم يورث النظر والاعتبار، فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} يدل على أن العاقل لو يتفكر بالعقل السليم عن آفات الوهم والخيال والتقليد والهوى في حال النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسيرته فضلاً عن معجزاته؛ لتحقق عنده أنه النبي الصادق صلى الله عليه وسلم، وإنما يدعوه إليه كل حق وصدق وأنه ينجوا بهذا التفكر من النار، كما أخبر تعالى عن حال أهل النار بقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .
وفي قوله {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185] إشارة إلى أن المكونات من نوعين:
نوع منها: ما خلق من غير شيء؛ وهو الملكوت الذي هو باطن الكون، والكون به قائم بالقدرة كقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس: 83] ، ونوع منها: ما خلق من شيء؛ وهو الملك الذي ظاهر الكون، فكما أن النظر في الملك بحس البصر فالنظر إلى الملكوت بالعقل والقلب، فنظر أرباب العقول فيه يفيد رؤية الآيات والاستدلال بها إلى معرفة الخالق وإثبات الصانع، ونظر أصحاب القلوب فيه يفيد شواهد الغيب، بالولوج فيه يصير إيمانه إيقاناً بل عياناً، كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ؛ ليكونوا مستدلين بنظر العقول أو الموقنين بنظر القلوب.