وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي ظاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنتَ على الباب مع الخواص، وكنتُ داخلاً مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 53] ، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50] ؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب، حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لمَّا أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] ، وفي الحقيقة: إن الله حرَّمهما عليهم حين حرَّم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} [الأعراف: 51] ، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنياً، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: 51] ، وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} [الأعراف: 51] ، واليوم هو يوم اللقاء.