ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 10] إلى قوله: {صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] ، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بها التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه منَّ الله تعالى على أولاده بقوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 10] ؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحداً غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ} [الأعراف: 10] خاصة، {فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10] ؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسؤ، ولمَّا حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفية هي: الوصول والوصال، {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] ؛ أي: قليلاً منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضاً شكر.
ثم أخبرنا عن شرح هذا التمكين وبدوّ أمره، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] ؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام" {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.