ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] ؛ أي: أهلها، إلى قوله: {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: 7] ، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: 5] ، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعاً وهلكوا سريعاً.
وفيه إشارة أخرى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} ؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} ؛ أي: قبلنا وأزغناها بإصبع القهارية إظهاراً للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: 5] ؛ أي: ادِّعاؤهم، {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5] ؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: 110] .