عند ربه، ومن هذا كان مقام محمد (صلى الله عليه وسلم) المنتهى، ومقام موسى عليه السلام الطور،
ومنذ كلم الله موسى على الطور أفنى صفته، فلم يظهر فيه النبات ولا تمكين لأحدٍ
عليه.
وقال الحسين في قوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا) قال: أزال عنه التوقيف والترتيب،
وجاء إلى الله على ما دعاه إليه وأراده له وأخذه عليه وأوجده منه وأظهره عليه، ببذل
الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات، فلما لم تبق عليه باقية بها يمتنع، أقيم مقام
المواجهة والمخاطبة وأطلق مصطنعة لسانه بالمراجعة والمطالبة، أما سمعت قوله قبل هذه
الحال طالباً منه لما طولع بحال الربوبية وكوشف بمقام الإلهية سائلاً حل عقدةٍ من لسانه
ليكون - إذا كان ذلك - مالكاً لنطقه وبيانه.
وقيل: فسأل ربه شرح صدره ثم نظر إلى أليق الأحوال، وإذا هو تيسير أمره فسأل
ذلك على التمام لتترقى به حاله إلى أرفع المقام وهو المجيء إلى الله بالله، لما علم أن من
وصل إليه لم تعترض عليه عارضة، حينئذ صلح للمجيء، إلى الله وحده بلا شريك ولا
نظير وكان ممن وفَّى المواقيت حقها، غابت عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن عينه
وحضوره، وما عداها إلا ما كان للحق منه ومعه حتى تحقق بقوله: (قد أوتيت سؤلك يا موسى (فهذا حال المجيء وهذا معنى قوله (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه(تفرد
بكلامه لأنه كان قبل ذلك مكلماً بالسر والسفرة والوسائط، فلما رقى الله به إلى المقام
للأجل وحققه بالحال الأعظم الأرفع، خاطبه مكلماً على الكشف، وغيبه عن كل عين
رائية ومرئية وكل صورة مكونة ومنشئة إلا ما كان من المكلم والمكلم، وأفرد الله عبده
بالشرف الأعظم فسمع خطاباً لا كالمخاطبات ومناج منه وله عند ذلك طلب لا
كالمطالبات، واقتضى من الله ما لم تكن قبل يقتضيه، فلذلك سأل النظر إليه إذ رجع
إلى حقيقته فرأى الله في كل منظور ومبصر، فلما تحققت له هذه الأحوال)قال رب أرني أنظر إليك (فإني في كل مرادي راجع إليك، أي أرني ما شئت فلست أرى غيرك
مقابلي، إذ تحققت بما حققتني به إنك غير مزايلي ألم يدلك على ذلك خطابه ورجوعه
إليك إذ ذاك جوابه أرني فإليك أنظر وأحضر ما شئت فلست غيرك أحضر بعد أن