وجاع في نصف يوم حين أراد أن يلقى الخضر فقال: (آتنا غداءنا (الآية قال: لأنه
في الأول أنساه هيبة الوقوف الذي ينتظره الشراب والطعام، والثاني كان سفر التأديب
فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل من نصف يوم، والأول كان أوقات الكرامة.
قال جعفر: كان وعده ثلاثين ليلة فالتزم على ميعاد ربه وانتهى الأجل لقدومه
فأخرجه عن حده ورسمه، وأكرم موسى بكلامه وبان عليه شرفه خارجاً عن رسوم
البشرية حتى سمع ما سمع من ربه من غير نفسه وعلمه وغير وقته الذي وقته لقومه،
دليلاً بذلك أن منار الربوبية خارج عن رسوم البشرية.
وسمعنا بعض المتأخرين يقول في هذه الآية: مواعيد الأحبة وإن أخلفت بها فإنها
يؤنس بها.
وأنشد على أثره:
(أمطليني وسوفي وعديني ولا تفي
قوله تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي) [الآية: 142] .
قال محمد بن حامد في قوله: (اخلفني في قومي) قال: لم يزل الأنبياء والأولياء
خلف يخلفهم فيمن بعدهم من أمتهم وأصحابهم، يكون هديهم على هديه، يحفظون
على أمتهم ما يضعونه من سنتهم وأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان هو القائم بهذا
المقام بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ولو لم يقم هو؛ لذهبت سنن منها محاربة أهل الردة وغير ذلك.
قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)
الأعراف: (143) ولما جاء موسى) [الآية: 143] .
قال أبو سعيد: من غيرة الله تعالى أنه لم يكلم موسى إلا في جوف الليل، وغيبه
عن كل ذي حسب حتى لم يحضر كلامه معه أحد سواه، وكذلك محادثته مع الأنبياء.
قال القرشي: إنما كلم الله موسى بإياه، ولو كلمه على حد العظمة لذاب وصار لا
شيء .
قال الواسطي رحمة الله عليه: لما غاب موسى عن أنفاسه وحركاته وقام مقام
الانفراد مع الله ناداه) إني أنا الله).
قال جعفر في قوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا) قال: الميقات طلب الرؤية.
وقال جعفر: سمع كلامه خارجاً عن بشريته وأضاف الكلام إليه، وكلمه من نفسه
موسى وعبوديته فغاب موسى عن نفسه وفنى عن صفاته، وكلمه ربه من حقائق معانيه،
فسمع موسى (صلى الله عليه وسلم) من ربه ومحمد (صلى الله عليه وسلم) سمع من ربه صفة ربه، وكان أحمد المحمودين