ومما يبين غلطه أن اللَّه يقول: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ، فلو كان القارئ مخفيًا يسمى صامتًا ناصتًا ما كان مستمعًا، وإنَّمَا يكون مستمعًا صامتًا إذا صمت فلم يقرأ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع، ولا أنصت.
ومما يدل على غلطه - أيضًا - أن العلماء جميعًا ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة، وإنَّمَا يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه، ويأمر هَؤُلَاءِ الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهرًا صامتًا ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.
ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم صلاة - فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس، قال:"هل يقرأ أحد منكم؟! فقال رجل: أنا، فقال النبي:"إني أقول: ما لي أنازع القرآن"قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي صلى اللَّه عليه وسلم."
فقال قوم: إن أبا هريرة قال: انتهى الناس عن القراءة خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فيما جهر فيه.
فيقال: إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي.
ثم مما يدل على أن المؤتم لا يقرأ جهر الإمام أو خَافَتَ قول النبي:"ما لي أنازع القرآن؟"وقد علمنا أن المؤتم لم يجهر بقراءته؛ فيتأول متأول منازعته النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أنه شغله؛ فلا وجه لقوله:"ما لي أنازع القرآن؟"إلا بنهيه المؤتم عن أن يقرأ، جَهَرَ إمامُه أو خَافَتَ.