قَالَ بَعْضُهُمْ: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - يقول: إذا أذنبت ذنبا فاستعذ باللَّه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) أي: يستخفنك، ويقال: نزغ شيئًا: إذا أفسده.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: النزغ: التحريك للفساد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) أي: يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ باللَّه.
ثم في الاستعاذة وجهان:
أحدهما: أمره بالفزع إلى اللَّه عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد.
وقال الخليل: أعوذ باللَّه، أي: ألجأ إلى اللَّه - تعالى - وكذلك قوله: أستعيذ باللَّه، ومعاذ اللَّه معناه: أعوذ باللَّه، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ.
وقال غيره: أعوذ باللَّه، أي: أمتنع باللَّه.
وقيل: أعوذ باللَّه، أي: أتحصن باللَّه.
وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة باللَّه؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان.
وكله قريب بعضه من بعض.
ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان:
أحدهما: ليكونوا أبدًا على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه.
والثاني: ليكونوا أبدًا فزعين إلى اللَّه - تعالى - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه.
وفيما أمر بالفزع إلى اللَّه والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو مخرج الهزء به؛ أما الهزء به، لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده.