وعن قتادة: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قال: خلق حسن أمر اللَّه به نبيه ودعاه إليه.
إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة.
وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض عن الجاهلين) .
وفيه دلالة أنه أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: كان رجل يشتم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ويؤذيه، فدخل على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فأوسع له، وأدناه، ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أليس هذا كان يشتمك؟ قال:"بلى يا عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم"إلى مثل هذا دعى رسول اللَّه بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة.
وقوله: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أما الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه:
أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية اللَّه، والدلالة على ألوهيته.
والثاني: تشهد على نعم اللَّه إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم اللَّه عليه.
وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى وسوء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)