وقوله: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يخاطب به المؤمنين بقوله:
وإن تدعو أهل مكة إلى الهدى، (لَا يَسْمَعُوا) أي: لا يجيبوا (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) أي: لا ينتفعون به، أو لشدة تعنتهم لا يبصرون.
وجائز أن يكون يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدون إلى الهدى (لَا يَسْمَعُوا) أي: لا يجيبوا، ولا يملكون الإجابة.
ويحتمل (لَا يَسْمَعُوا) حقيقة السمع، (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) على التمثيل، أي: كأنهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خُذِ الْعَفْوَ) يتوجه وجهين:
أحدهما: على حقيقة الأخذ.
والثاني: على العمل بالعفو.
فإن كان على الأخذ فهو على وجهين:
الأول:، يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير.
والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ(36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا). أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على البخل.
وإن كان على العمل فهو على وجوه:
أي: اعف عن الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة والرأفة بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
وروي عن عبد اللَّه بن الزبير قال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال: ما أنزل اللَّه هذه الآية إلا في أخلاق الناس.