ولما قام لوثر بالإصلاح البروتستنتي في القرن السادس عشر اشتعلت نار
الحروب بين المسيحيين، وخضبت الأرض بدماء الألوف من الأبرياء المصلحين
في مثل مذبحة اليهود غينوز (Huguenots) بفرنسة سنة 1572 ميلادية، ومع
رقي البشر الآن ووجودهم في عصر النور والعلم ترى التثليث منتشرًا بين جميع
فرق المسيحيين إلا قليلاً من الموحدين (Unitanians) وكذلك عبادة الصور
والصلبان في الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية كما أقرتها مجامعهم القديمة التي
عليها التعويل في كل مسائل دينهم والحكم على كتبهم. ومن فرقهم القديمة من عبد
مريم العذراء وكانوا يدعون بالمريميين، ومنهم بعض أساقفة مجمع نيقية، وكان
الثالوث عندهم مركبًا من الآب والمسيح ومريم على أنهم ثلاثة آلهة ولا تزال صورة
مريم للآن في الكنائس الرومانية والشرقية يُسجد لها ويتقرب ويصلى لها، ويطلب
منها النصارى ما يشتهون، وهذا سبب نهي القرآن الشريف عن اتخاذها آلهة مع
الله تعالى عما يشركون (انظر سورة المائدة 5: 73 - 75 و 116) لأن
نصارى العرب كانت تعبدها من دون الله.
من ذلك تعلم حكمة تشديد الشريعة الإسلامية في النهي عن التصوير واتخاذ
التماثيل وتعظيم القبور. وتعلم حاجة العالم في ذلك الوقت إلى الإصلاح العظيم
الذي جاء به الإسلام. راجع كتاب التوسل والوسيلة لابن تيمية يتضح لك منه أن
الإسلام سابق لكل إصلاح عملي ناجح، فأنَّى لمحمد ذلك لولا وحي الله؟ ولماذا شذ
عن العالم كله في ذلك الوقت الذي كانت فيه الأمم غارقة في عبادة الصور والتماثيل؟
ولماذا لم يتأثر عقله بما يراه عند قومه وأهله وأهل الكتاب، خصوصًا الذين
يزعم المبشرون أنهم معلموه مع أنه هو الذي جاءهم بالإصلاح قبل أن يعرفوه،
ونهاهم عن عبادة المسيح ومريم والصور والصلبان.
فكيف اقتنع بصحة عقيدته في التوحيد والتنزيه وهي مخالفة لِمَا كان عليه
جماهير الناس في العالم كله إلا أفرادًا قليلين؟ وكيف عرف أن الحق مع هؤلاء
دون أهله والأكثرين من قومه؟ وذلك منذ طفوليته قبل أن يكون للعقل مجال في
البحث والتفكير، ولماذا كان محمد هو السابق للعالم في إصلاح كل فساد في أمور