الوثنية المُشَاهَدَة الآن في جميع عقائد النصرانية وعباداتها وتعاليمها وعبارات كتبها
حتى نفرت أهل العلم من الدين كله في أوربة لجهلهم بالإسلام، فظنوا أن جميع
الأديان كالنصرانية، فخرجوا منها إلى ما يسميه القسيسون بالإلحاد وما هو إلا ميل
الفطرة البشرية السليمة إلى الدين الحق دين التوحيد والتنزيه والعقل وحب الخير
وبُغْض الشر، فظنهم الناس كافرين وما هم في الحقيقة إلا مؤمنون، ولكن بعقائد غير
عقائدهم تنطبق على العلم والعقل الصحيح.
ارجع بنا إلى القرون المسيحية الأولى تَرَ الناس تضاربت عقائدهم وأفكارهم
في كافة أصول الدين الأساسية، وكثرت مذاهبُهم فيها، وتعددت ومزجت
النصرانية بالفلسفات القديمة مزجًا أضاع حقيقتها حتى ذابت فيها، ولم يرق للناس
في تلك الأزمان - لقصر عقولهم - إلا الشرك والتجسيم وعبادة الصور والصلبان
والتماثيل.
وكلما قام فيهم موحد أو مصلح حكموا بكفره ومروقه، حتى أُريقت دماء العالمين
بسبب ذلك ظلمًا وعدوانًا، وتبدل دين المحبة والوفاق إلى بغض وشقاق، وانصدع
بنيان الكنيسة المسيحية من قديم الأزمان.
قام أريوس بالتوحيد، ووافقه على ذلك بعض الأساقفة والإمبراطور قسطنطين
نفسه - كما قلنا - ثم وجد له من أمم الجرمانيين أتباع عديدون، ولكن ميل جمهور
الناس في ذلك الزمن إلى الشرك والوثنية حمل أكثر أعضاء مجمع (نيقية) سنة
325 م على الحكم عليه بالزندقة والمروق، وتأصلت العداوة بين أتباعه وبين سائر
المسيحيين منذ ذلك الحين.
ولما فشت في الناس عبادة الصور والتماثيل، واشتدت حتى صارت جزءًا
من الدين قام بعض الناس - ومنهم القياصرة كليون الثالث - لمحقها وسموا إذ
ذاك (كاسري التماثيل) (Iconociasts) وكان ذلك في القرن الثامن والتاسع؛
فحكم البابا جريجوري الثاني والثالث بحرمانهم ومروقهم، ولَمَّا اجتمع مجمع
القسطنطينية سنة 842 كان أيضًا مضادًّا لهم، وفاز فيه العابدون لها مع نهي كتبهم
عن
عمل الصور والتماثيل وعبادتها والإشراك بالله تعالى نهيًا صريحًا لا يقبل التأويل
(انظر تث 4: 15 - 19 و 6: 4 و 13: 1 - 5)
فكان ذلك سببًا آخر من أسباب الشقاق بين المسيحيين.