أما ثانيتهما: فضعف كيد الكافرين . لأن كل محاولاتهم لم تكد تعدو
النفخ بأفواههم وما ذلك بمحقق لهم ما يريدون.
وكلمة:"بأفواههم"تعبير جميل رشيق . لأن المعنى تم بدونه فجاء هو
لإضافة ظلال رقيقة على المعنى العام اكتسى بها جمالاً ورواء.
فقد أفادت - أولاً - أن كيدهم للقرآن لم يعد كلمات جوفاء اتهموه بها:
أساطير الأولين - رئى من الجن - شِعر - لو نشاء لقلنا مثل هذا.
هذه الكلمات لم يكن لها نصيب من الوجود سوى التلفظ بها لم تتمكن حتى من قلوب قائليها . وهذا يدل على ضعف كيدهم.
وهي تفيد - ثانياً - أن النور كان ماثلاً أمامهم حتى قصدوه قصداً فِي
مكان وجهة ، وهذا يدل على ظهور أمر الله وقوة انتصاره .
وهي تفيد - ثالثاً - أن هذا النور لم يكن لأى عامل آخر أن يطفئه.
ريح شديدة - مثلا - أو عاصفة مدمرة . فهو قائم رغم هذه التقلبات التي لا يكاد يخلو منها وقت . فكيف يتسنى لهم أن يطفئوه بأفواههم . ؟
إنه نور قوى باهر وسيظل - هكذا -
نوراً باهراً قوياً . . ولو كره الكافرون.
وبعد هذا يمكن أن نستنتج الحقائق الآتية:
أولاً: أن القرآن الكريم يضرب"النور"مثلاً للمعاني الشريفة والصفات
الحميدة . كما يضرب"الظلمات"مثلاً للمعاني الوضيعة والصفات الذميمة.
ثانياً: أن القرآن لم يستعمل النور في تلك الأغراض إلا مفرداً اسماً أو صفة ،
أما"الظلمات"فلم يستعملها في أغراضها إلا مجموعة - لا مفردة ولا مثناة
-فهل لهذا من سر ؟
نقبتُ عن هذا السر في مظانه فلم أعثر على توجيه . لا في كتب
التفسير ولا خارج كتب التفسير . ولذلك فإنى أسجل - هنا - ما خلصتُ إليه مما ظننتُ أنه يصلح أن يكون توجيهاً لهذا الصنع.
* لماذا أفرد القرآن"النور"وجمع"الظلمات":
إن النور سواء أكان المراد به كتاباً يهدى إلى الرُّشد ، أو حُجة تكشف النقاب