والواقع أن روعة التعبير فيها لا تتوقف على معرفة ما هو نوع مجازها . والذي أميل إليه ما اختاره المفسرون من حمل المجاز على الاستعارة المكنية لأن الغرض وصف الغضب بأنه كان حاداً قد بلغ مداه من نفس موسى عليه السلام ، حتى أصبح هو الذي يقول ويفعل ، وهذا لا يتأتى على أكمل وجه إلا في الاستعارة المكنية.
وبهذا يبدو ذوق المفسرين وكونهم أقرب إلى طببعة الأسلوب القرآني وجزالته.
وفي قوله تعالى: (وَفى نُسْخَتهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ) مجاز مرسل علاقته
اعتبار ما سيكون لأن الوصاَيا التي فيها إذا تمسك به قوم موسى هدتهم إلى
الحق . وجعلتهم أهلاً لأن يرحمهم الله.
والقرينة اعتبار أن يكون الهدى والرحمة ملتبسين بالنسخة تلبساً حقيقياً وقائمين بها.
أو العلاقة اللزومية . . لأن مَن يتمسك بتلك الوصايا لزم أن يكون مهتدياً
مرحوماً.
* بنو إسرائيل والرجفة:
(فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) .
"الرجفة"من الرجف ، والرجيف: هو شدة الحركة والاضطراب.
ويقال: بحر رجاف . والإرجاف: إيقاع الرجفة إما بالفعل وإما بالقول.
والمقصود بها في الآية حركة الجبل الشديد ، واضطرابه وعليه المختارون من
قوم موسى.
والمراد معنى الأخذ المجازي الذي هو: الهلاك والموت.
يقال: أخذته الحمى - إذا أماتته . وفاعل الأخذ بالمعنى الحقيقي الذي شرحناه هو الله تعالى . وإسناده إلى الرجفة مجاز عقلي علاقته السببية.
والقرينة استحالة وقوع الهلاك من الرجفة بغير إذن الله وإرادته وقدرته.
وسره البلاغي هو المبالغة في تصوير الهلاك حتى صارت الرجفة عدواً لهؤلاء
الناس فصرعتهم لا كفروا.
وفي إطلاق الأخذ على الهلاك مجاز لغوي على طريق الاستعارة التصريحية
التبعية والجامع ما يترتب على كل من اختفاء الميت والمأخوذ.
والقرينة استحالة أن تأخذهم الرجفة أخذاً . كلما يأخذ صاحب المتاع متاعه.