والمعنى: أن الذين بقوا على اتخاذ العجل واستمروا عليه كالسامري وأشياعه، سيصيبهم غضب من ربهم في الحياة الدنيا، بأن لا يقبل توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم، وذلة عظيمة في الحياة الدنيا، وبالخروج من الديار والغربة عن الوطن، وقال الواحدي: إن الذين اتخذوا العجل، يعني اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم، وهم أبناء الذين اتخذوا العجل إلها، فأضيف إليهم تعييرا لهم فعل آبائهم .. سينالهم غضب من ربهم؛ أي: عذاب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وهي الجزية.
قال في «الخازن» : ثم للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل، الذين باشروا عبادته، وعلى هذا القول ففي الآية سؤال وهو: أن أولئك الأقوام الذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم، كما أمرهم الله تعالى، فتاب عليهم، فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: أن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا، وهو نفس القتل، فكان ذلك القتل غضبا عليهم، والمراد بالذلة هو: إسلامهم أنفسهم للقتل، واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ.
فَإِنْ قُلْتَ: السين في قوله: {سَيَنالُهُمْ} للاستقبال، فكيف تكون للماضي؟
قلت: هذا الكلام إنّما هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنّه {سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ} فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه، وهو القتل الذي أمرهم الله به بعد ذلك.
والقول الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم كما مر عن الواحدي آنفا. انتهى مع زيادة.
{وَكَذلِكَ} ؛ أي: وكما جزينا هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها في الحياة الدنيا {نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} ؛ أي: نجزي كل من افترى على الله كذبا وعبد غيره في كل زمان، إذ فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء، قال الحسن البصري: إنّ ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين،