فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه ، ويكشف له عن طبيعة موقفه ، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم:
{قال: ابن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني!} ..
وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب ؛ حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس:
{ابن أم} .. بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة.
{إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} .. بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه.
{فلا تشمت بي الأعداء} .. وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة ، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون!
{ولا تجعلني مع القوم الظالمين} ..
القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق ؛ فأنا لم أضل ولم أكفر معهم ، وأنا بريء منهم!
عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان. وعندئذ يتوجه إلى ربه ، يطلب المغفرة له ولأخيه ، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين:
{قال: رب اغفر لي ولأخي ، وأدخلنا في رحمتك ، وأنت أرحم الراحمين} ..
وهنا يجيء الحكم الفاصل ممن يملكه سبحانه!ّ ويتصل كلام الله سبحانه بما يحكيه القرآن الكريم من كلام عبده موسى ، على النسق الذي يتكرر في السياق القرآني:
{إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. وكذلك نجزي المفترين. والذين عملوا السيئات ، ثم تابوا من بعدها وآمنوا ، إن ربك من بعدها لغفور رحيم} ..
إنه حكم ووعد.. إن القوم الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا.. ذلك مع قيام القاعدة الدائمة: إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر الله لهم برحمته.