وثانيهما: بالإضافة إلى أفعاله تعالى من أنواع الإحسانات وضروب التفضلات على الخلق من أصول النعم وفروعها، فالبركة ههنا تفسر على الوجهين اللذين أشرنا إليهما كما ترى، وقد صدر الله تعالى هذه الآية بذكر الربوبية، ثم ختمها بذكرها إعظاما لهذه الصفة واهتماما بأمرها، فذكرها في أولها على جهة الخصوص بقوله: (رَبَّكُمُ)
يعني الثقلين وذكرها في آخرها على وجه العموم بقوله: (اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)
يريد جميع العوالم كلها من صامت، وناطق، وجماد، وحيوان.
فليدرك الناظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الآية من الإشارة إلى خلق المكونات كلها، واشتمالها على بدائع الحكمة، وعجيب الصنعة على أعجب نظام وأرشقه، وأحسن سياق وأعجبه، وقد أشرنا فيها إلى بعض ما تحتمله من اللطائف والأسرار وما أغفلناه من معانيها أكثر وأغزر مما ذكرناه.
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ(154)
فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة، فالمستعار هو السكوت، والمستعار له هو الغضب، والجامع بينهما هو زوال الغضب، كما أن السكوت زوال الكلام، وهذه كلها أمور عقلية.
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ(199)
فهذه الكلمات على قصرها وتقارب أطرافها قد احتوت على جميع مكارم الأخلاق، ومحامد الشيم، وشريف الخصال، وهذا هو المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم جمع كلمة، والجوامع جمع جامعة، كضاربة وضوارب، والغرض بما قاله هو أنه عليه السلام مكن من الألفاظ المختصرة التي تدل على المعاني الغزيرة، وأنت إذا فكرت في كلامه وجدت جل كلماته جارية هذا المجرى، ولهذا فإن الناظرين في السنة النبوية الدالة على الأحكام الشرعية، والحكم الأدبية لا تزال المعاني المستخرجة منها غضة طرية على تكرر الأعوام وتطاول الأزمان، ومع ذلك فإنهم ما أحاطوا بغايتها ولا بلغوا نهايتها، وهذا كقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» .
فإن هذه الكلمة مشتملة على معان شرعية، وآداب حكمية تزيد على الحد وتفوت على العبد، وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضّمان»
فإن تحته أسرارا فقهية، وبدائع علمية، تشتمل عليها كتب الفقه، ومن ثم اتسع نطاق الاجتهاد وعظمت فوائده، فحصل من هذا أن الإيجاز من أعظم قواعد البلاغة، ومن مهمات علومها، ومواقعه في القرآن أكثر من أن تحصى.
(فصل)