ولج في بيته، إذا دخل فيه، وهذان المعنيان يصلحان في كل واحد من الليل والنهار، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل، وهكذا الإيلاج، فإن الليل يدخل في النهار، كما يدخل النهار في الليل. بخلاف الغشيان، فإنه مخصوص بالنهار، والسر في ذلك هو أن النور أمر وجودى محقق، والظلمة أمر عدمى، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور، فهكذا تقول: الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل، لأنه يطلع بالإنارة فيغشي الليل بإذهابه، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعني النهار في إذهابه لظلام الليل، منزلة من يغطى الشيء بالغشاوة ويستره، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه، ويمحوها بإنارته.
ويجوز أن يكون من باب التشبيه، ولهذا فإنك لو أظهرت أداة التشبيه لحسن ذلك، فتقول النهار يذهب ظلمة الليل عند غشيانه كالثوب يغشى جسد الإنسان ويشتمل عليه عند ارتدائه به، وتوجيهه على جهة الاستعارة ألطف بمعناه، وأرق لألفاظه من التشبيه لأن الاستعارة فيه أظهر، لأن المستعار منه مطوى الذكر، فلهذا حسن موقعها وأنت إذا أظهرت أداة التشبيه تكاد تنقص من بلاغته، وتغض من موقع فصاحته وإنما قال: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) [سورة الأعراف: 54] ولم يقل يلبس ولا يخلط الليل بالنهار، لأن لفظة التغشية، أبلغ في الإحاطة والشمول من لفظة الإلباس والاختلاط، مع ما فيها من الرقة واللطافة، والخفة والسلاسة، وهي مؤذنة أيضا بشدة الاتصال والالتحام بين الغشاوة، والمغشى،
ومصداق ما قلناه قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ) [سورة يس: 37] فشبه انفصال الليل من النهار بسلخ الأديم عن الشاة، وهذا يدلك على عظم اتصال الليل بالنهار وشدة التحامه به، ولهذا فإنك ترى الفجر عند طلوعه، نوره في غاية الامتزاج والاختلاط بظلام الليل، فلا يزال النهار في قوة، وغلبة، وظهور، حتى يستولى عليه بالإنارة فيمحوه ويزيله، فالسلخ مؤذن بشدة الالتحام، كالجلد، والغشيان مؤذن بعظم الاستيلاء والاشتمال، وكلاهما مشعر بالاتصال البالغ.
(يُغْشِي اللَّيْلَ)
جملة فعلية خبرية حال من الضمير في خلق، ولهذا جاءت من غير واو، دالة على اندراجها تحت ما تقدم يَطْلُبُهُ