فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبْدٍ بعد ذلك توبة ، ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها ؛ إلاَّ من كان قبل ذلك محسناً فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم ؛ فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً} .
ثم إن الشمس والقمر يُكسيان بعد ذلك الضوء والنور ، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان.
قال العلماء: وإنما لا ينفع نفساً إيمانُها عند طلوعها من مغربها ؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلّ شهوة من شهوات النفس ، وتَفْتُر كلّ قوّة من قوى البدن ؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدُنُو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم ، وبطلانها من أبدانهم ؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تُقبل توبته ، كما لا تُقبل توبة من حضره الموت.
قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر"أي تبلغ روحه رأس حلقه ، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار ؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله.
وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش ؛ لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة.
فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ، ولا يتحدّثوا عنه إلاَّ قليلاً ، فيصير الخبر عنه خاصّاً وينقطع التواتر عنه ؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبل منه. والله أعلم.