والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها، وإعلان القصور والعيّ عنها، هو أجدر وأولى. وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئا! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن؛ فيتصل به، ويعرفه؛ ويطمئن إليه - سبحانه - ويأمن في كنفه؛ ويستروح في ظله .. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها، فضلا عن وصفها والتعبير عنها.
فلننظر كيف مثّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئا ما:
أخرج الشيخان بإسنادهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قضى الله الخلق - وعند مسلم: لما خلق الله الخلق - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .. وعند البخاري في رواية أخرى:
«إنّ رحمتي غلبت غضبي» ..
وأخرج الشيخان بإسنادهما عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«جعل الله الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» .
وأخرج مسلم بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن لله مائة رحمة. فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة» . وله في أخرى: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. فجعل منها في الأرض رحمة واحدة:
فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة».
وهذا التمثيل النبوي الموحي، يقرّب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى .. ذلك
إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة، والضعف والمرض؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه .. فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما!